جمال الدين بن نباتة المصري

198

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

فلما قرأ المهلّب الكتاب قال : واللّه ما أسير إليهم حتّى تجعلوا لي ما غلبت عليه ، وتقوّونى من بيت المال ، وأنتخب من فرسانكم ورجالكم من شئت . فأجابوه إلّا طائفة من بنى مسمع ، فحقدها عليهم [ المهلّب ] ، « 1 » وسار إلى الخوارج فكان عليهم أشدّ من كلّ من قاتلهم . وبلغ ابن الزّبير افتعال الكتاب فلم يقل شيئا ، وأقرّه على ذلك . ثم إن المهلّب أخذ بالحزم في القتال وإعمال الرّأى والمطلولة ، فأذكى العيون ، وأقام الحرس وخندق ، ولم يزل الجند على مصافّهم ، والناس على راياتهم وأخماسهم ، فكانت الأزارقة إذا أرادوا بيات « 2 » المهلّب وجدوا أمرا محكما . ثمّ خرج المهلّب يوما على تعبيه حسنة ، وخرج الخوارج على مثل ذلك إلّا أنهم أحسن عدّة وأكرم خيلا وأكثر سلاحا من أهل البصرة ؛ وذلك أنّهم أكلوا ما بين كرمان إلى الأهواز ، فجاءوا في المغافر والدّروع يسحبونها ، فالتقى الناس ، واشتدّ القتال ، وصبر بعضهم على بعض عامّة النهار . ثم شدّت الخوارج على الناس شدّة منكرة ، فأجفل الناس وانصاعوا منهزمين ، وأسرع المهلّب حتى سبقهم إلى مكان يفاع ، ثم نادى الناس : إلىّ إلىّ عباد اللّه ! فثاب إليه جماعة من قومه حتى اجتمع إليه مقدار « 3 » ثلاثة آلاف . فلمّا نظر إلى من اجتمع إليه رضى جماعتهم ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أمّا بعد ؛ فإنّ اللّه يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فينهزمون ، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون ؛ ولعمري إنّى الآن بجماعتكم لراض ، وأنتم واللّه « 4 » أهل النصر ، وفرسان العصر « 4 » ، وما أحبّ أنّ أحدا ممّن انهزم معكم ، و لَوْ خَرَجُوا

--> ( 1 ) من ط ، م . ( 2 ) كذا في ت ، د ، م ، وفي ط : « إتيان » . ( 3 ) ط ، د : « نحو من » . ( 4 ) كذا في ت ، وفي ط : « أهل النصر وفرسان العصر »